محمد هادي معرفة

14

التفسير الأثري الجامع

قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى لا معدل عنه أبدا . وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وهذا من باب « إيّاك أعني واسمعي يا جاره » . فمن تابع سبيل الغيّ والضلال بعد وضوح الهدى والصلاح ، فقد خرج عن ذمّة اللّه ، ودخل في ذمّة الشيطان . . فما له في مهاوي الضلال والدمار من وليّ يحنّ له ولا نصير يخرجه من الهلكة . * * * نعم ، الّذين يتجرّدون عن الهوى ويتراودون كتاب اللّه ليل نهار ، فهم على وشك من الاهتداء إلى سبيل الرشاد . الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ فاحتضنوه عن جدّ وأخذوه بقوّة يَتْلُونَهُ يتراودونه حَقَّ تِلاوَتِهِ بجدّ وحزم أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ بالهدى الّذي أتاهم ، حيث كان منشودهم منذ عهد بعيد . وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ يكفر بالحقّ الّذي لمسه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ خسروا أنفسهم وأضاعوها هباء ، حيث مصيرهم إلى الهلاك والدمار . وبعد هذا التقرير الحاسم الجازم ينتقل السياق بالخطاب إلى بني إسرائيل ، كأنّما ليهتف بهم الهتاف الأخير ، بعد تلك المجابهة وذلك الجدل الطويل ، وبعد استعراض تاريخهم - المسجّل على صفحات سوداء - هنا يجيء الالتفات إليهم كأنّها الدعوة الأخيرة ، وهم على أبواب الإهمال والإغفال ، والتجريد النهائي من شرف الأمانة أمانة العقيدة . . التي نيطت بهم من قديم . وهنا يكرّر لهم الدعوة ذاتها التي وجّهها إليهم من بداية التجوال . يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ طول حياتكم البذيئة وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ رغم توالي تمرّداتكم وإصراركم على العناد والفساد ؟ ! ولكن حيث لم تنغلق أبواب الرحمة ، وكانت الفرصة باقية ومتاحة على يد خاتم النبيّين - نبيّ الرحمة والفضيلة - وعليكم فاغتنمونها . وَاتَّقُوا يَوْماً هو يوم الحسرة والندامة ، يوما لا تَجْزِي لا تغني نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى . « 1 » وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ فداء . والعدل : ما يعادل الشيء . كقوله تعالى : أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً « 2 » .

--> ( 1 ) فاطر 35 : 18 . ( 2 ) المائدة : 5 : 95 .